الشيخ السبحاني
17
بحوث في الملل والنحل
ولسنا أوّل من تنبّه إلى اتفاق هاتين القوتين في ذلك العصر المظلم ، بل يظهر عن طريق الإمعان في ثنايا التاريخ أنّ ذلك كان أمراً مدبّراً ، ولو لم يكن هناك اتفاق في بدء الأمر لكن حصل الاتفاق بين الصليبي والوثني في أثناء تلك الحروب ، وفي كلام ابن الأثير المعاصر لهذه الحروب إشارة إلى ذلك حيث يقول : « وقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأُمم . منها هؤلاء التتار - قبحهم اللّه - أقبلوا من المشرق ففعلوا الأفعال الّتي يستعظمها كل من سمع بها ، ومنها خروج الإفرنج - لعنهم اللّه - من المغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر ، وملكهم ثغر دمياط منها ، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف اللّه تعالى ونصره عليهم » . « 1 » ثمّ إنّ ابن الأثير يشير إلى ضعف القيادة الإسلامية في تلك العصور ، ويزيح النقاب عنها بقوله : « يسّر اللّه للمسلمين والإسلام من يحفظهم ويحوطهم ، فلقد دفعوا من العدو إلى عظيم ، ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه وفرجه . . . » . « 2 » ولأجل إيقاف القارئ على مدى الخسائر الفادحة الواردة على الإسلام والمسلمين ، الناجمة عن هذه الحروب الصليبية والتترية ، نذكر لمحة خاطفة من هاتين الحربين كنموذج تمثيلي ، ليعلم بذلك داء المسلمين فيه ، ثمّ نبحث عن الدواء الّذي كان ينبغي لعلماء الإسلام أن
--> ( 1 ) . الكامل في التاريخ : 12 / 360 . ( 2 ) . الكامل في التاريخ : 12 / 376 .